العيني
48
عمدة القاري
أي : هذا باب في بيان ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم : هذا المال . . . أشار به إلى المال الذي يتصرف فيه الناس . قوله : خضرة ، التاء فيه للمبالغة أو باعتبار أنواع المال ، وكذا الكلام في : حلوة . وقال الله تعالى : * ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا ) * ( آل عمران : 41 ) [ / ح . سيقت هذه الآية كلها في رواية كريمة ، وفي رواية أبي ذر * ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ) * . . . الآية ، وفي رواية أبي زيد المروزي * ( حب الشهوات ) * . . . الآية وكانت رواية الإسماعيلي مثل رواية أبي ذر . وزاد إلى قوله : * ( ذلك متاع الحياة الدنيا ) * . قوله : * ( زين للناس ) * أي : في هذه الدنيا من أنواع الملاذ من النساء ، فبدأ بهن لأن الفتنة بهن أشد لقوله صلى الله عليه وسلم في ( الصحيح ) : ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ، فإذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة . . . ) الحديث ، ثم ذكر البنين ، فلا يخلو حبهم إما أن يكون للتفاخر والزينة فهو داخل فيها ، وإما أن يكون لتكثير النسل وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم . فهذا محمود ممدوح ، كما في الحديث : ( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ) . قوله : * ( القناطير المقنطرة ) * اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال : فقال الضحاك . المال الجزيل ، وقيل : ألف دينار ، وقيل : ألف ومائتان ، وقيل : اثنا عشر ألفاً ، وقيل : أربعون الفاً ، وقيل : سبعون ألفاً ، وقيل : ثمانون ألفاً . وروى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القنطار اثنا عشر ألف أوقية ، كل أوقية خير مما بين السماء والأرض ، ورواه ابن ماجة أيضاً ، وروى ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عارم عن حماد عن سعيد الحرشي عن أبي نصرة عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله تعالى عنه ، قال : القنطار ملء مسك الثور ذهباً ، وروي عن حماد مرفوعاً ، والموقوف أصح ، وعن سعيد بن جبير : القنطار مائة ألف دينار . قوله : * ( المقنطرة ) * مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم : ألف مؤلفة ، وبدرة مبدرة . قوله : * ( والخيل المسومة ) * أي : المعلمة * ( والأنعام ) * الأزواج الثمانية . قوله : * ( والحرث ) * بمعنى الأراضي المتخدة للغراس والزراعة ، وروى أحمد من حديث سويد بن هبيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال ( خير مال امرئ مهرة مأمورة أو سكة مأبورة ) . المأمورة الكثيرة النسل ، والسكة النخيل المصطف ، والمأبورة الملقحة . قوله : * ( ذلك ) * أي : المذكور * ( متاع الحياة الدنيا ) * أي : إنما هذه زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة . قوله : * ( والله عنده حسن المآب ) * أي : حسن المرجع والثواب . قال عُمَرُ : اللَّهُمَّ ! إنَّا لا نَسْتَطِيعُ إلاّ أنْ نَفْرَحَ بِما زَيَّنْتَهُ لنا ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ أنْ أُنْفِقَهُ في حَقَّهِ . أي : قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، في الآية المذكورة : إنا لا نستطيع أي : لا نقدر إلا أن نفرح بما زينته لنا ، أي : بما حصل لنا مما في آية * ( زين للناس حب الشهوات من النساء ) * ثم لما رأى أن فتنة المال والغنى مسلطة على من فتحه الله عليه لتزيين الله تعالى له ولشهوات الدنيا في نفوس العباد ، دعا الله تعالى بقوله : اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه ، لأن من أخذ المال من حقه ووضعه في حقه فقد سلم من فتنته ، وهذا الأثر وصله الدارقطني في ( غرائب مالك ) من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن يحيى بن سعيد هو الأنصاري : أن عمر بن الخطاب ، أتي بمال من المشرق يقال له : نفل كسرى ، فأمر به فصُب وغُطي ، ثم دعا الناس فاجتمعوا ، ثم أمر به فكُشف عنه فإذا هو حلي كثير وجواهر ومتاع ، فبكى عمر رضي الله تعالى عنه ، وحمد الله عز وجل ، فقالوا : ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ هذه غنائم غنمها الله لنا ونزعها من أهلها . فقال : ما فتح الله من هذا على قوم إلاَّ سفكوا دماءهم واستحلوا حرمتهم ، قال : فحدثني زيد بن أسلم أنه بقي من ذلك المال مناطق وخواتم ، فرفع فقال له عبد الله بن أرقم : حتى متى تحبسه لا تقسمه ؟ قال : بلى إذا رأيتني فارغاً فاذني به ، فلما رآه فارغاً بسط شيئاً في حش نخلة ثم جاء به في مكتل فصبه فكأنه استكثره ، ثم قال : اللهم أنت قلت : * ( زين للناس حب الشهوات ) * . . . الآية حتى فرغ منها ، ثم قال : لا نستطيع ألاَّ أن نحب ما زينت لنا ، فقني شره وارزقني أن أنفقه في حقك ، فما قام حتى ما بقي منه شيء ، وهذا التعليق قد سقط في رواية أبي زيد المروزي .